>
English Arabic

البروفيسورفيصـل عبد اللطيف الناصر
MBChB, FPC, MRCGP, MICGP, FRCGP, FFPH, PhD
أستاذ و رئيس قسم طب العائلة والمجتمع
كلية الطب والعلوم الطبية
نائب رئيس الجامعه السابق
جامعة الخليج العربي
مملكة البحرين
رئيس المجلس العلمي لطب الاسره والمجتمع
المجلس العربي للاختصاصات الصحيه
الامين العام للجمعية الدوليه لتاريخ الطب الاسلامى

مقالات

الخوف من الذهاب إلى المدرسة


الخوف من الذهاب إلى المدرسة مع بداية كل عام دراسي جديد يبدأ جميع الأطفال في الاستعداد للذهاب إلى المدرسة، ولكن نجد أن بعضهم وخصوصاً الذين يلتحقون بالمدرسة لأول مرة قد يبدو عليهم الخوف والهلع. فيبدأون بالتعلل بشكاوى متنوعة، فالبعض يدّعي ألم في البطن والآخر لوعة وغثيان وآخر يشتكي من كثرة التبول والذهاب إلى دورة المياه، كما قد ترفض الغالبية تناول الإفطار الخ.
وعند البحث نجد أن السبب في هذا التصرف وهذه الشكاوى قد يكون أساساً متعلقاً بالذهاب إلى المدرسة، وعندما تبدأ الأعراض في الظهور تصاب الأم بالقلق على طفلها الصغير ... فترضخ لرغباته ولا تسمح له بالذهاب إلى المدرسة... وما أن يشعر الطفل بعزوف والديه عن أخذه إلى المدرسة حتى تزول تلك الشكاوى وسرعان ما يبدأ في المرح واللعب مرة أخرى.
تعريف هذه الحالة:
رهاب المدرسة هي حالة تصيب بعض الأطفال في مرحلة الطفولة وتتمثل في حدوث القلق الشديد عند محاولة إدخالهم للمدرسة1,2 . وتعّرف كذلك بالحالة التي تصيب الطفل عندما يذهب أو يهم بالذهاب إلى المدرسة مما ينتج عنه زيادة القلق والتوتر، ومن ثم يؤدي إلى كثرة وتكرار الغياب عن المدرسة 3 .
يعاني من هذه المشكلة عدد لا بأس به من الآباء والأمهات حيث نجد أن أطفالهم يمتنعون عن الذهاب إلى المدرسة ويبدو امتناعهم في صور متعددة منها الخوف أو قلق الانفصال عن الوالدين3 ، أو مشاكل جسمية أو نفسية.
وبينما تعتبر مشكلة رهاب المدرسة حالة وقتية، فإن لم يتم علاجها مبكراً فإنها قد تتحول إلى مشكلة مزمنة تلازم الطفل أمداً طويلاً، مما قد يتسبب بمضاعفات على التركيبة النفسية للطفل عند الكبر.
هناك أربعة عناصر رئيسية تتعلق بهذه الحالة لدى الأطفال:
أولا: صعوبة متناهية في المداومة على المدرسة، مما ينتج عنه رفضه الذهاب إليها.
ثانيا: حدوث تغيرات نفسية كبيرة عند محاولة أخذ الطفل إلى المدرسة
ثالثا: عدم وجود خلل نفسي مسبق لدى الطفل مما يساعد على رهاب المدرسة، أي أنه غير مصاب بأي مرض نفسي وخصوصا تلك الأمراض التي تجعله غير اجتماعي
رابعا: بقاء الطفل في المنزل عادة ما تتم بمعرفة ورضاء الوالدين، إلا أن هناك مجموعة من الأطفال الذين يرغبون في الذهاب إلى المدرسة ولكن يصابون بالاضطراب عند الإحساس بمغادرة المنزل.
مدى انتشار الحالة:
في عام 1965 كانت نسبة انتشار هذه المتلازمة بين أطفال الولايات المتحدة هو 1.7% بينما كانت النسبة في بريطانيا في عام 1966 تشكل 18% من مجموع طلاب المدارس في لندن. وفي فنزويلا وجدت إحدى الدراسات أن النسبة هي 7ر17%4. بينما نسبة حدوث هذه الحالة تتراوح بين 3 إلى 17 حالة من كل 1000 طفل في سن الذهاب للمدرسة 5,6 وعموما وعلى حسب الإحصائيات العامة فإن نسبة الانتشار الإجمالية في العالم هي 5.4%. وعادة ما تصيب حالات الرفض للذهاب إلى المدرسة الأطفال بين سن 11-13 سنة ولكنها بالإمكان إصابة الأطفال من سن 5 إلى 15 سنة 7,8.
لقد وجدت الدراسات بأن هناك بعض العوامل اللازمة للطفل والوالدين والمحيط الأسري التي تساعد على الخوف من المدرسة أو تزيد من عدد مرات غياب الطفل عن المدرسة ومن بين هذه العوامل زيادة في عمر الطفل عند الالتحاق بالمدرسة وكذلك الجو العائلي الغير نشيط9 . كما تزداد هذه الحالة إذا ما كانت الأم في الصغر تعاني من نفس المشكلة أو أن يأتي الطفل من عائلة تكون شديدة العلاقة بطفلها ، كما تبين أن الاحتمالات بأن الوالدين مصابين بالقلق وحالات الخوف تزداد إذا ما كان لديهم طفل مصاباً بحالة الرفض للذهاب إلى المدرسة 10 . وإن هذه الحالة تستفز وتثار لدى الطفل إذا حصلت حوادث في الأسرة غير عادية كتغيير المنزل أو حدوث الموت لدى أحد الأقارب أو حصول إضطرابات عائلية11 .
أنواع الحالة:
هناك نوعان من حالات رهاب المدرسة:
الأولى: نوبة الخوف التي تصيب الطفل عند ذهابه إلى المدرسة لأول مرة في حياته وخصوصا في مرحلة الحضانة. وقد تكون هذه الحالة نوعاً ما طبيعية لتلك الفترة من العمر، وذلك بسبب قلق الانفصال عن الوالدين بعد الإعتياد على ملازمة الوالدين والقرب منهما طيلة السنوات الأولى من العمر.
الثانية: الرفض، وعدم القدرة أو الخوف من الذهاب إلى المدرسة وذلك بعد أن انتظم الطفل ولفترة ما على المدرسة 8 .
أو قد تتنوع الحالة على شكل آخر 6,12
أولاً: العصبي أو نوعية I وهي التي تحدث بصورة مفاجأة حيث تتغير شخصية الطفل من النوعية المتعاونة المحبوبة إلى الخائفة والمضطربة.
ثانياً: السماتية أو نوعية II والذي تكون شخصية الطفل فيها أكثر اضطرابا وعادة ما تبدأ هذه الحالة بصفة تدريجية.
أسباب الحالة:
هناك أسباب عديدة ومتنوعة لهذه المشكلة ومن الممكن حصرها فيما يلي:
1. قد يكون للمشكلة علاقة مباشرة بحالة قلق تطورية تصيب الأطفال ويطلق عليها قلق الانفصال (Separation Anxiety) ويعتقد بأن أحد الأسباب الشائعة لهذه المشكلة هي حالة قلق الانفصال 1,11 . حيث إن الطفل في مراحل عمره الأولى يكون متعلقا جدا بوالديه وخصوصاً والدته ويشعر بالخوف أو القلق من أدنى انفصال عنهما. فنجده يبكي عندما تهم والدته بمغادرة المنزل، ويحاول اللحاق بها لكي يصاحبها ويكون بالقرب منها. وتبدأ هذه الحالة من الاعتماد على الوالدين والخوف من فراقهما بالتناقص تدريجيا كلما كبر الطفل إلى أن يصل إلى سن خمس سنوات، حيث يبدأ في إدراك الأشياء المحيطة به جيدا، ومن ثم يبدأ في تفهم أسباب وعلل الحوادث.
وقد يتزامن لدى بعض الأطفال المصابين بحالة رهاب المدرسة قلق الانفصال حتى بعد أن يتقدموا في العمر. وقد يكون هذا ناتج عن طبيعة تربية الطفل ونمط علاقته الاتكالية على والديه. لذلك فقد وجد بأن هذه المجموعة من الأطفال تكون لديهم رغبة للبقاء في مرحلة الطفولة الأولى (مرحلة الرضاعة) وعدم الكبر وذلك لإحساسهم بالأمان بالقرب من الوالدين.
2. في بعض الحالات قد تكون الأم هي السبب الرئيسي للمشكلة 6,12 . فقد تعطي الأم لطفلها الشعور بالحماية الغير الطبيعية مما يجرد الطفل من كل سبل الاعتماد على الذات، فنجد أن معظم هؤلاء الأطفال لا يخافون فقط من الذهاب إلى المدرسة بل من مفارقة الأهل كذلك. كما أن مشاعرهم قد تكون متذبذبة بين الخوف على والدتهم من حدوث مكروه لها أو القلق من الانفصال عن أمهم. هذا ولقد وجدت إحدى الدراسات التي بحثت هذا الموضوع أن نسبة وجود الأمراض النفسية لدى تلك المجموعة من الأمهات هي أكثر بكثير من الأمهات اللاتي لا يعاني أطفالهن متلازمة رهاب المدرسة. وقد يكون لتلك المجموعة من الأمهات إحساس داخلي ملازم عن حوادث نفسية قد حصلت لهن أثناء الطفولة مع والداتهن، وهذا الإحساس ينمي عندهن مشاعر الخوف على أطفالهن بصورة غير طبيعية.
3. الخوف من الفراق أومن الظلام أو من الحيوانات أو من حصول حوادث أو اختطاف للطفل تعتبر أسباب أخرى لرهاب المدرسة11 .
4. ومن الأسباب المؤدية إلى هذه الحالة تلك العوامل الناتجة عن المشاكل الزوجية والأسرية. ولقد وجدت إحدى الدراسات بأن الحالة تزداد بين الأطفال الذين يعانون من سوء العلاقة بينهم وبين والديّهم أي عندما يكون هناك اضطراب أسري13.
5. عندما يكون لدى الطفل إحساس وهمي وغير واقعي بالتفوق والأفضلية على جميع زملاءه في المدرسة، فإن هذا الإحساس يصطدم بالواقع في الفصل فإن إحدى ردود الفعل قد تتمثل في الخوف وكراهية المدرسة.
ومن الأسباب الأخرى المؤدية إلى حالة رهاب المدرسة ،هي:
1. كثرة مضايقة الأطفال الآخرين لهذا الطفل.
2. كراهية الطفل لمدرس معين، وذلك إما بسبب حزمه وإما بسبب كثرة انتقاداته.
3. كراهية الطفل لدرس معين لارتباط هذه المادة بموقف مؤلم في ذهن الطفل.
4. مرور الطفل بتجربة غير حسنة أو قاسية في المدرسة.
5. تغيير الفصل المحبب للطفل.
6. تغيير مدرس الفصل المفضل للطفل.
7. تغيير المدرسة التي قد تعّود عليها الطفل.
8. ولادة طفل أصغر في العائلة.
9. مرض الأم.
10. عزل الطفل عن والدته في مراحل عمره الأولى.
11. الاستمرار في طلب الأفضل من الطفل:
عندما يصر الوالدان على حصول ابنهم الصغير على إنجازات تفوق قدراته الطبيعية. وعندما يتمادى في انتقاد الطفل بسبب تحصيله العلمي دون مراعاة قدراته وميوله فإن ذلك يؤدي إلى الإحباط والشعور بالنقص، وبالتالي عدم الرغبه في التعلّم والتحصيل.
12. نبذ الطفل:
نبذ الطفل من العادات السيئة التي لها عواقب وخيمة على الطفل حيث يشعر الطفل بعدم وجود مكانٌ له بين أهله، فيصاب بالقلق ومن ثم العداء مما يؤثر على علاقته بالآخرين وخصوصا زملاءه ومعلميه، مما قد يؤدي إلى كراهية المدرسة.
أعراض الحالة:
قد تظهر الحالة بصورة مفاجئة، فنجد مثلاً ازدياد تعلق الطفل بأمه ورفضه الذهاب إلى المدرسة بعد أن استمر فيها فترة ما. كما أن الحالة قد تأخذ شكلا نفسيا .. حيث يبدو على الطفل الخوف الغير المنطقي، لدرجة قد تصل إلى الخوف حتى من ذكر اسم المدرسة .. وقد يصاب هؤلاء الأطفال بالقلق والتوتر العصبي الذي يزداد عند حلول وقت الذهاب إلى المدرسة.
ومن أهم المشاكل العضوية التي يشكو منها الطفل هي تلك التي تتعلق بالجهاز الهضمي مثل: الألم المتكرر في البطن، الغثيان، الاستفراغ (الترجيع) 14 . وقد يشكو الطفل من أعراض أخرى مثل: الصداع أو ألم الرأس، الدوخة، أوجاع الأطراف، قلة النوم، الإجهاد العام، الشحوب، زيادة ضربات القلب،البكاء الغير المعلل. بينما يجزم بعض الباحثين ارتفاع بسيط في درجة الحرارة15 نجد إن البعض الآخر يؤكد بأن ارتفاع درجة حرارة الجسم ليس عارض من عوارض رهاب المدرسة 16 . وإحدى النظريات تعزو الأعراض التي تظهر على الطفل بأنها أنواع مختلفة من عملية الدفاع الذاتي للطفل لمقاومة توهمات غير واقعية 17 . وتسمى هذه الأعراض بالأعراض التنكرية MAS - QUERADE SYNDROME حيث تخفي تحت طياتها الحالة الأصلية للمرض. لذا فإننا نجد أن هذه الأعراض لا تظهر إلا خلال أيام الأسبوع الدراسية، وتختفي تماما في أيام العطل أو عندما يسمح للطفل بالبقاء في المنزل.
وقد يصاب الطفل بالمضاعفات التالية في حالة عدم علاجه:
1. قد يتحول الطفل مستقبلاً إلى إنسان انعزالي وانطوائي.
2. قد تبدو على الطفل إحساس متنامي بالشعور بالذنب.
3. قد تتحول الحالة في المستقبل إلى حالة مرضية تتعلق بالعصابات (Neurosis). وهذا ما أكدته دراسة بالسويد تتبع فيها الباحثون ولمدة 15 عاما مجموعة من الأطفال المصابين بحالة رهاب المدرسة، حيث وجدوا أن الأطفال المصابين بهذا الداء هم أكثر عرضة لزيارة عيادات الطب النفسي عند الكبر إذا ما قورنوا بزملائهم الأطفال الطبيعيين. كما وجدوا أن هؤلاء الأطفال عند الكبر يفضلون إنجاب عدد أقل من الأطفال. ويعتقد الباحثون أن هذه النتيجة قد تكون لها علاقة بإحدى صفات هذه المجموعة من الأطفال وهي كونهم غير اجتماعيين. لقد وجدت إحدى الدراسات بأن 25% من المرضى الذين يشتكون من الرهبة (Panic disease) والذين هم في متوسط العمر قد سبق لهم وأن اشتكوا من رهاب المدرسة في الطفولة
18 . كما تبين بأن عدد الاستشارات للأمراض النفسية ازدادت لدى المرضى الذين كانوا يشكون من رهاب المدرسة في الطفولة 19 . علاج هذه الحالة: يرتكز العلاج أساساً على العلاج السلوكي للطفل أو للوالدين. ومن الضروري عند العلاج إشراك جميع الأطراف المشرفة على تربية ورعاية الطفل بالإضافة إلى الطفل نفسه. حيث تشمل والديّ الطفل والموجه التربوي أو المدرس وطبيب العائلة والطبيب النفسي 11 . إن طبيب العائلة أو طبيب الأطفال هما الأفضل لعلاج الحالة لكونهما قريبين من العائلة أو على اتصال مستمر معهم وبعد الحصول على القصة المرضية الكاملة لابد أن يكون أولى اهتمامات الطبيب هو فحص الطفل إكلينيكيا لاستبعاد وجود أية حالة مرضية مزمنة أو مشاكل في القدرات الذهنية والتي قد تؤدي إلى إعاقة الطفل عن الذهاب إلى المدرسة أو تتسبب له بالعوارض التي يشكو منها، ويقوم الفحص كذلك على طمأنة الوالدين على طفلهما11 . كما إن العلاج النفسي الاجتماعي يعتبر علاج فعّال مساعد على عودة الطفل للمدرسة 1 . مع العلم بأنه ليس هناك نموذج واحد في العلاج يصلح لجميع الأطفال، إلا أنه من الواجب تهيئة أسلوب علاجي له خصوصية، تخص كل حالة على إنفراد
20 . ويجب توجيه إستراتيجية العلاج اعتمادا على عمر الطفل والعوارض التي يشكو منها11 وعند التحدث مع الوالدين يفضل الباحثين أن يقوم الطبيب عند شرح أسباب الحالة للوالدين باستخدام المرادفات اللطيفة كمثل الضغوط النفسية بدلاً من استخدام المردفات التي لها علاقة بالجهاز العصبي أو العاطفي للطفل
14 . كما يجب اعتبار هذه المشكلة إحدى الحالات الطارئة التي تستوجب التدخل والعلاج السريع، وأن تكون هناك قناعة تامة من قبل الوالدين بضرورة علاج الحالة. ويلزم لعلاج هذه الحالات مهارة دبلوماسية وإكلينيكية من قبل الفريق المعالج للتعامل مع الطفل 21,1 . فبعد الحصول على المعلومات الوافية من الوالدين يجب معرفة الحالة الصحية والاستفسار عن أية مشاكل عائلية وعن الظروف البيئية للعائلة. هذا ولابد من التحدث إلى الطفل ذاته سواء بمفرده أم بحضور والديه لمعرفة الأسباب المؤدية لتلك الحالة ابتداء من المدرسة والظروف المحيطة بالمجال التربوي والتعليمي في الفصل14 وكذلك المنزل والعلاقات العائلية. ولابد كذلك من الاستفسار من المعلم عن الطفل وعن علاقته بالأطفال الآخرين في المدرسة وأداء الطفل الدراسي
22 . إن أهم عامل لنجاح العلاج هو سرعة عودة الطفل إلى المدرسة 23,24 حيث إنه كلما كثر غيابه زاد شعوره بالخوف من الذهاب للمدرسة. فعند الغياب المتكرر تتراكم على الطفل المواد الدراسية، فيتسبب هذا في حدوث قلق لديه بسبب عدم تمكنه من تحصيل تلك المواد أو التحضير لها، فيزداد رهاب المدرسة لديه 21,24 .
يجب أن تعلم الهيئة التعليمية سواء كان المدير أم المعلم المشرف على الفصل بحالة الطفل؛ لكي يكونوا على إدراك بأنهم ليسوا السبب في حدوث هذه الحالة، وبالتالي لن يلاموا عليها فيبادروا بتقديم مساعداتهم لإعانة الطفل على التغلب على حالته هذه. كما يجب على المدرس أن يكون حازماً فلا يتأثر بشكوى الطفل الجسمانية من جراء هذه الحالة24 وعندما يبكي الطفل فمن المفضل أن يعزل في نهاية الفصل ويسمح له بالعودة عند انتهاءه من البكاء. وعندما يكون السبب راجعاً إلى الفصل فإن تغيير الفصل قد يساعد الطفل على الرجوع إلى حالته الطبيعية.
إن مناهج بعض المدارس الخاصة قد يفوق مستوى إدراك الطفل، عندئذ لا يستطيع الطفل مجاراة هذا الوضع التعليمي المتفوق بالنسبة إليه مما يتسبب في رهاب المدرسة. وفي هذه الحالة قد يكون تغيير مدرسة الطفل إلى مدرسة ذات مقررات ومتطلبات أقل عاملاً هاماً مساعداً في العلاج.
إن إحدى الوسائل المساعدة في العلاج هو الطلب من الوالدين العاطفيين عدم مرافقة ابنهما إلى المدرسة، بل يتم من قبل أحد الأقارب أو الأصدقاء. ولابد أن يتقبل الوالدين الامر الواقع ألا وهو انفصال الطفل عنهما فترة معينة خلال النهار أثناء الأيام الدراسية. وعلى الوالدين كذلك الاستمرار في محادثة الطفل لمعرفة ميوله ورغباته محاولين بذلك التوصل إلى الأسباب المؤدية إلى خوفه من الذهاب إلى المدرسة. ومن الجائز أن يقوم الوالدين بعمل اتفاق مع طفلهما، حيث يلتزم هو بالذهاب إلى المدرسة ويلتزمان هما بتحقيق رغباته وطلباته المعقولة. يجب أن يكون الطفل على يقين بأن والديه سوف يكونون متواجدين لحمايته من الأضرار ومساعدته في المحن حتى يطمئن ويتمكن من مفارقتهما. ولكن إذا تعاطف الوالدين مع طفلهم عند رفضه للذهاب إلى المدرسة بسبب تخوفهم من الأعراض الجسمانية التي يشكو منها بالتدريج سيكون الطفل أكثر عناداً ورفضاً للذهاب للمدرسة 26 .
إن الطفل الصغير يحتاج إلى تهيئة للبيئة المدرسية، والتزويد بمعلومات عن المدرسة والجو الدراسي، وذلك بفترة طويلة قبل الالتحاق بها حتى لا يفاجأ بالعزلة والجو الغريب الذي قد يتسبب في رهاب المدرسة، ولابد من عدم توبيخ الطفل أو التأنيب أو المعاقبة لعدم ذهابه إلى المدرسة. كما إن العلاج النفسي له أثر فعّال في رجوع الطفل إلى المدرسة1 ولابد من استخدام الأسلوب التدريجي (Desensitisation) لتقليل الرهبة من المدرسة حيث أثبتت جدواها في تقليل الخوف من المدرسة 27,28,29 .
لقد أستحدث Kennedy طريقة جديدة في العلاج أتت بنسبة نجاح موفق تصل إلى 100% مع الإختفاء الكامل لأعراض الخوف. وخطة العلاج السريعة التي استخدمها اعتمدت على ستة نقاط 1-أداء مهني جيد في العلاقات العامة 2- الامتناع عن التحدث في موضوع العوارض الجسمية 3- إرغام الطفل على المداومة على المدرسة 4- مقابلة مبرمجة مع الوالدين 5- المقابلة الشخصية مع الطفل 6- وأخيراً متابعة الحالة باستمرار6 . وينصح Kennedy بالنسبة إلى النوع العصبي أو نوعية(I) ‏‏ من رهاب المدرسة بانتهاج منهج متفائل أثناء مقابلة الوالدين وإعطائهم النصيحة التالية "عدم التحدث عن دوام المدرسة أثناء إجازة نهاية الأسبوع والاكتفاء بإشعار الطفل في الليلة التي تسبق اليوم الأول من الأسبوع "سوف تذهب إلى المدرسة غداً" وفي اليوم الأول من الأسبوع على الوالدين إيقاظ الطفل ومساعدته على ارتداء ملابسة واستعداده للمدرسة ويفضل إعطائه وجبة إفطار خفيفة لكي تساعد في منع الغثيان. ودون أي نقاش يصطحب الطفل إلى المدرسة ويسلم إلى إدارة المدرسة ومن ثم يغادر الوالدين. وفي المساء يجب ثناء الطفل لذهابه إلى المدرسة بغض النظر عن الفترة التي أمضاها هناك أو إذا ما كان غير سعيداً. وكذلك يجب طمئنة الطفل على أن اليوم التالي سيكون أفضل. هذا وتكرر نفس العملية في اليوم التالي ولكن بطريقة أسهل وفي مساء اليوم الثالث يكافأ الطفل وذلك بأن لا يلتزم بمواعيد النوم الصارمة.
إن من أفضل المقاييس التي تستخدم الاستنتاج لتوقع مدى التحصيل العلمي للطالب في المدرسة هو ذلك الذي يسمى بمركزية التحكم في الذات. والتي تعتمد على تقوية شخصية الأطفال وبناء الاعتقاد لديهم بأنهم هم المسيطرون على ذاتهم وتصرفاتهم وهم المسئولون عن نجاحهم أو فشلهم دون تأثير رئيسي خارجي وأن لا يؤمنوا بأن سبب نجاحهم أو فشلهم يرجع إلى الحظ أو إلى تأثير الآخرين عليهم. ويعتمد مركز التحكم هذا على عوامل كثيرة، منها بيئية كالمستوى الاجتماعي للعائلة ومنها ما يعود إلى طبيعة الوالدين وما إذا كانوا هم من الأسر التي تشجع الطفل على الاعتماد على الذات أم لا. لذا يبدو أنه من المناسب بث الشعور لدى الطفل بأن لديه القدرة على التحكم في بعض الأحداث التي تجري من حوله، مما يؤدي إلى بناء شخصية قوية للطفل وبالتالي لا يقلق عند انعزاله عن والديه.
وكذلك فإن الطفل يمثل الرابط بين المدرسة والمنزل، فكما إن شخصية الطفل والقيم لديه تنمو من خلال المنزل فإن المشاكل التي يتعرض لها الطفل في المدرسة تؤثر مباشرة على العائلة في المنزل وكذلك فإن المشاكل العائلية تؤثر على أداء الطفل في المدرسة. لذا يجب أن يكون هناك تعاون حميم بين المدرسة والمنزل 30 أي بين الطاقم التعليمي والوالدين.
ومن الممكن علاج هذه الحالة باستخدام نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) وتعتمد هذه النظرية على التجارب الواقعية للأمور لإزالة شعور ما، فعلى سبيل المثال لو أن هناك طفلا لديه شعور خارج عن نطاق المعقول كالخوف من القطط مثلا، يسمح له في البداية عن بعد بمراقبة طفل آخر في نفس العمر وهو يلاعب قطة، ومن ثم يقترب الطفل الخائف تدريجيا من الطفل الآخر إلى أن يوضع الجميع في مكان واحد .. بهذه العملية يستطيع المعالج أن يقلل وبالتالي يزيل الشعور بالخوف من القطة لدى الطفل المريض. لذا فإنه من الممكن استخدام هذه الطريقة في علاج بعض حالات الخوف من الذهاب إلى المدرسة، حيث يصطحب الطفل في الصباح إلى بوابة المدرسة لكي يرى كيف يدخل الأطفال إلى المدرسة وهم مسرورون ومن غير أي خوف، ومن ثم وبالتدريج إلى فناء المدرسة ومن ثم إلى الفصل.
إن التكهن بمستقبل حالة رهاب المدرسة - جيد إذا ما روعيت الأسس الصحيحة في العلاج. حيث يرجع معظم هؤلاء الأطفال إلى الحالة الطبيعية ولكن بينت إحدى الدراسات بأن الاضطرابات النفسية ومعها حالات الخوف والقلق والاكتئاب قد يستمر مع ثلث الأطفال الذين يشكون من هذه الحالة 11 .
أ.د. فيصل عبداللطيف الناصر
نائب رئيس جامعة الخليج العربي
( 62)